بورتريه | بيئة | مجتمع

لبنى الفلس..مغربية تحول النفايات إلى سماد بمساعدة “كائنات خفيّة”

كل ما لا تراه العين المجردة هو كل ما تراه وترعاه المغربية لبنى الفلس في مختبرها بمراكش. كائنات متناهية الصغر جنّدتها في ابتكار صديق للبيئة: تحويل النفايات إلى سماد حيوي ومواد أساسية للزراعات بالمغرب.

قبل أيّام قليلة، توجت هذه “الرؤية” الفريدة  باعتراف علمي هام. نالت لبنى، الخبيرة في التكنولوجيا الحيوية الميكروبية والعمليات الحيوية والبيئة، جائزة الفرونكوفونية للباحثين الشباب في مجال العلوم والتكنولوجيات. جائزة تمنحها الوكالة الجامعية للفرنكوفونية التي تمثل خبرات أزيد من ألف مؤسسة جامعية كبرى.

رسل الخير

“الكائنات المجهرية هي رسل الخير للبشرية، إنها عالم لا متناهي من الإمكانيات والقدرات التي تسترعي الدراسة والتحليل والتي تعدُ بالكثير في مجالات عدة، ضمنها تخفيف أعباء المخلّفات على البيئة “، تقول لبنى في حديث لمدار 21 عن أسرار عالم لا يحظى الجميع بفرصة الإطلال عليه.

تركز هذه الأستاذة الباحثة بكلية العلوم السملالية بجامعة القاضي عياض بمراكش جهودها اليوم على معالجة وتثمين النفايات العضوية بالمغرب وتقود أبحاثا تجريبية بمنطقتي مراكش وشيشاوة.

أثمرت هذه الأبحاث نتائج “مرضية” على مستوى “المردودية والجودة” وأثبتت فعاليتها على الزراعات التي اختُبرت عليها وهي بشكل أساس القمح والذرة، حسب الباحثة.

وفي حال تعميمها قد تمثل حلا مبتكرا لتحفيز هاته الزراعات في حقول تتقاسم الميزات المناخية القريبة من المناطق التي تجري فيها الأبحاث والاختبارات، لكن كيف يتم تحويل النفايات إلى مواد محفزة لخصوبة التربة؟

من نفايات لمبيدات وأسمدة

“أعمل على استغلال النفايات بشكل يجعلها مصدرا للمادة، أوظف لأجل ذلك تقنية بيولوجية تعتمد على إدخال كائنات دقيقة مختارة على النفايات في ظروف معينة بغاية إنتاج سماد حيوي أو مبيدات حيوية أو جزيئات فعّالة، حسب الحاجة، يمكن استثمارها في الزراعة”، تشرح الخبيرة الجامعية.

عائدات هذه التقنية مزدوجة، وفقا للخبيرة، فمن جهة تساهم في تقليص كمية النفايات المنتجة بالبلاد وتخفيف العبء على المطارح العمومية تبعا لذلك، ومن جهة ثانية تؤدي إلى إنتاج أسمدة ومواد مفيدة لقطاع الفلاحة خاصة وأن القطاع لم يزل يعد ركيزة أساسية لاقتصاد البلاد.

ويتقاطع عمل لبنى مع استراتيجية المغرب في مجال حماية البيئة واستدامة موارده الطبيعية وجهوده لتثمين النفايات وتشجيع الاقتصاد الدائري، هذا الأخير الذي يتوخى تقليص النفايات عبر  إعادة تصنيعها في سلع ومنتجات جديدة.

“إحياء” النفايات: مسار آمن؟

وعلى الرغم من تكريسها منذ عقود في دول عديدة،  تثير فكرة تدوير النفايات، سواء لأغراض الصناعة أو تخصيب التربة، هواجس البعض. تنطلق الهواجس من سؤال : ألا يشكل استغلال مخلّفات وبقايا المنتجات والمواد في استخلاص أسمدة حيوية خطرا؟ توضح الخبيرة في تكنولوجيا الأحياء هنا أن الأمر آمن ومنضبط لمعايير تضمن سلامته الصحية على الأرض والإنسان.

“نستخدم كائنات دقيقة هي جزء من الطبيعة، وهذه الكائنات يتم اختيارها بناء على معايير ومحددات تضمن ملاءمتها لأغراض إنتاج مواد حيوية معينة، وتخضع لاختبار سُميّتها وتفاعلاتها مع مكونات مختلفة، فيما هناك كائنات مجهرية لا يمكن استعمالها من الأساس أيضا نظرا لخطورتها”، تقول الباحثة بتكنولوجيا الأحياء.

وتواصل “حتى بعد الحصول على المنتج النهائي يتم اختباره بدوره في احترام للمعايير الوطنية والدولية المقررة” في المجال.

“حادكة” في البيوتكنولوجيا

لم تنل لبنى الفلس جائزة الوكالة الجامعية للفرونكوفونية عن أبحاثها في تحويل النفايات إلى سماد فقط، وإنما عن مسار من الإسهامات والكتابات والإنتاج العلمي في مجلات رصينة وبراءة اختراع.

مسار يتضمن 55 إصدارا ضمن مجلات علمية مفهرسة في الرتبة “أ”، و7 فصول في كتب، وأزيد من 57 اتصالا كتابيا وشفهيا في المؤتمرات الدولية، إلى جانب مقاولة ناشئة وبراءة اختراع، حسب ما نقرأ في بيان للوكالة الجامعية المانحة للجائزة.

وفي الواقع، يُترجم هذا المسار العلمي شغفا ممزوجا بشعور بالعطاء في هذا المجال. “تقدر تقول أنا “حادكة” (شاطرة) في البيوتكنولوجيا”، ثم أن “تتأمل كل مرة كائنات مجهرية دقيقة متناهية الصغر بقدرات هائلة، أمر ملهم فعلا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.