وجهة نظر

النساء ضحايا المجتمع العنيف

لا أحد يُنكر التطور الذي خطاه المغرب في اتجاه تكريس المساواة بين الجنسين، حيث سجل دستور 2011 تمتع الرجل والمرأة “على قدَم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية…” (الفصل 19 من الدستور )، وأكد سعي الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء، كما تم إحداث هيئة دستورية “هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز”.

وفيما يخص العنف الذي يعتبر من أكبر تجليات التمييز والحيف تجاه النساء لما له من آثار مادية ونفسية واجتماعية مباشرة ووخيمة على أوضاع النساء، وعلى المجتمع عامة، فالملاحظ وجود تراكم على مستوى التدابير المتخذة، فقد حرصت الدولة المغربية منذ سنة 1998 على تنظيم حملة وطنية طوال 15 يوما للتوعية  بقضايا العنف ضد النساء، كما أطلقت سنة 2002 “استراتيجية وطنية ضد العنف” وكذلك تميزت سنة 2005 بحملة واسعة النطاق استهدفت التحسيس بالمشكل وآثاره النفسية والصحية السلبية على المرأة والطفل.

وهناك برنامج “تمكين” لمحاربة العنف المبني على النوع الاجتماعي 2008-2011، ثم الخطة الحكومية “إكرام 1″ و”إكرام 2”. كل ذلك وفاء من المغرب بالتزاماته الدولية فيما يخص تحقيق أهداف الألفية ولاسيما الهدف الثالث الذي يرمي إلى الحد من حجم العنف ضد النساء وتقليصه، والذي حتم زيادة الجهود المبذولة رسميا.

من جهة أخرى، تزايد اهتمام المجتمع بالظاهرة، فإلى جانب العمل والمجهود الذي تقوم به المنظمات النسائية على صعيد التوعية والدفاع والحماية والمطالبة بالحقوق، فقد تم تأسيس مجموعة من مراكز الاستماع والإرشاد والتوجيه للنساء ضحايا العنف.

العنف بين الثقافة والسياسة

العنف مشكلة رافقت نشوء المجتمعات منذ القدم، فهناك من ربطها بالطبيعة العدوانية للبشر تدفع إليه الفوارق الفزيولوجية بين الجنسين ضمن جدلية القوة والانتقاء، وكدافع نفسي مكتسب، حيث العنف هو رد فعل عدواني تجاه الجنس الآخر ناتج من الاحباط أو الكبت، أو الاستجابة لمحرّضات خارجية، أو التماهي مع الأدوار الجنسية السائدة أو اضطرابات في الشخصية أو الانحرافات وغيرها. إلا أن جانبه البنيوي سلوك يدفع إليه تفاعل عاملين سوسيو-ثقافيين أساسيين: الأول هو الأنماط الثقافية المحددة والمنظمة والمقننة للعلاقات الجنسية، ونمط التنشئة وما يولده من تمثلات ومواقف واستعدادات دائمة؛ والثاني يتمثل في البيئة الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية والسياسية التي يندرج فيها هذا النموذج.

فلا يمكننا التغاضي عن كون البيئة المتسمة بالاستبداد والتسلط تنتج لنا مجتمعا عنيفا، بل كلما ازداد الضغط والتسلط ازدادت مستويات العنف ودرجاته. فالبطالة عنف يولد العنف، الحرمان من الحريات والحقوق عنف يولد العنف.

أنواع العنف

جاء في تعريف العنف ضد المرأة في المادة الأولى من القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء أنه: “كل فعل مادي أو معنوي أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عنه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة”.

العنف الجسدي الذي يكون بالضرب والجرح؛ أما الرمزي الذي يكون بتكريس صورة نمطية يشوبها استنقاص وتحقير لمكانة المرأة ودورها، وهناك العنف النفسي الأكثر انتشارا والذي تسكت عنه جل النساء مهما كانت مكانتهن الاجتماعية أو وضعيتهن الاقتصادية. فإذا ما كانت حالة بوح في دواخل أي فتاة ستجد أنها تعرضت لعنف إما داخل الأسرة مع الأب أو الأخ أو الزوج والابن. إنه عنف مبني على عقدة التفوق، كون الذكر ليس كمثل الأنثى، وأنها مخلوق ضعيف لا يحتاج لأذية بيّنة واضحة تترك أثرا على الجسد، تكفي كلمة أو إيحاء لكسرها والتنزيل منها والحط من كرامتها، إنهن نسوة يخترن أسلوب الكتمان والتحفظ وتصنع الابتسامة وأن كل شيء بخير، فإذا لم تعالج الأمر تصبح امرأة مكسورة تنتج جيلا آخر من الضحايا سهلات الانكسار، إنها دعوة للمجتمع لنسائه قبل رجاله، أن اعملوا على حماية بناتكم وابنوا حاجزا صلبا ضد الكسر.

إن استراتيجية الدولة المبنية على الأرقام والإحصائيات التي تعترف بالعنف المادي أكثر، وكثيرا ما تتجاهل العنف الرمزي والنفسي الذي يترك آثاره على المدى المتوسط والبعيد، حري بها أن تعمل وفق استرتيجية تشاركية مع الإخصائيين النفسيين أساسا وعلماء الاجتماع لاجتراح الظاهرة لرفع الحيف، وهذا لن يأتي إلا بالبدء أولا من مؤسسات ذات تمويل عمومي كالمدرسة والإعلام، الذي يرسخ في كثير من برامجه صورة نمطية حول امرأة مكسورة تستحق أن تدهس تحت الأقدام فقط لأنها امرأة اختلط فيها اللطف والجمال بالخديعة.

العنف داء فأين نجد الدواء؟

لا شيء قادر على القضاء على ظاهرة العنف، لا القوانين، ولا المساطر، ولا حتى العقوبات. ومثال الدول التي سبقتنا خير دليل، فكل ذلك فقط مسكنات. الحل في جيل جديد يؤمن بالتغيير، تغيير نفسه أولا، كل واحد منا يجب أن يرفض من داخله ممارسة العنف على غيره قبل نفسه، كما أن الأمر يتطلب الاعتراف والبوح والمسامحة لا الانتقام، نحتاج إلى جلسات للعدالة الانتقالية في أسرنا وشوارعنا وأماكن العمل والدراسة…

العنف ظاهرة اجتماعية بالغة الخطورة والتعقيد، تجابه العالم بأسره يوميا، فتؤدي سنويا بملايين الضحايا، وتُعدّ المرأة من أبرز ضحاياه، الأمر الذي يتطلب دراسات تُعنى باستجلاء الأسباب وإيجاد الحلول في ظل المجتمعات وتأثرها بنسق الحياة والقيم السائدة ونمو الوعي الحضاري.

 

أسماء مهديوي طالبة باحثة بسلك الدكتوراه 

 

تعليقات الزوار ( 1 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *