بورتريه

بلقاسمي “ديناصور” وزارة التعليم و”بارشوك” القطاع العصي عن المحاسبة

بعدما توارى عن الأنظار لمدة، في ظل حديث سابق عن إعفائه من منصبه “المعمّر”، وانتشار أخبار عن تعرضه لغضبة من الدوائر العليا، عاد الرجل القوي بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، يوسف بلقاسمي، إلى الواجهة من جديد ليلعب دور “البارشوك” في قضية التعديلات الجديدة التي همّت شروط اجتياز مباريات توظيف الأطر النظامية للأكاديميات وأطر التدريس وأطر الدعم الإداري والتربوي والاجتماعي، وألهبت الرأي العام الوطني عقب تحديد السن الأقصى لاجتياز مباريات توظيف الأطر النظامية للأكاديميات في ثلاثين سنة.

سيرة لا تزيد الرجل سوى غموضا أكبر

وفي ظل موجة التذمر والغضب التي اجتاحت صفوف المترشحين والنقابات التعليمية والأحزاب السياسية المعارضة وكذا عدد من الأكاديميين والحقوقيين، ظهر بلقاسمي، “شيخ الكتاب العامين للوزارات” ورجل “المفاوضات”، في “نشرة المسائية” على القناة الثانية مساء الأحد المنصرم، كمُكلف بمهمة توضيح قرار الوزارة عوضا عن وزير التربية الوطنية والرياضة شكيب بنموسى، وهو ما أثار علامات استفهام عدة “مشروعة” تزيد من “غموض” الرجل وموقعه في قلب وزارة عصف بها الكثير فظل هو وحده صامدا تحت ركام الملفات والأزمات المتتالية.

ومن المعروف، أن بلقاسمي عمّر طويلا بدهاليز الوزارة، بحيث أنه عاصر ما يناهز 10 وزراء وكتاب الدولة، وبقي صامدا رغم الزلازل التي ضربت الوزارة والحكومات المتعاقبة، غير أن اللافت للانتباه هو كون سيرته شبه “مغيّبة” إعلاميا، حتى أنه لا يمكن الحصول إلا على النزر القليل منها، ولعل هذا ما يزيد الرجل الثاني بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي “غموضا”.

وفي غياب أي نص قانوني يحدد للكتاب العامين للوزارات مدة تحملهم لمسؤوليات مناصبهم، نجد أن يوسف بلقاسمي من “الخالدين” فيها حتى بات يلقب بـ “العلبة السوداء” التي استقدمتها وزيرة التربية الوطنية والتكوين المهني في حكومة عباس الفاسي، لطيفة العابدة، كمدير مكلف بالاستراتيجية والإحصاء والتخطيط بوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، قبل أن يعيّن فيما بعد كاتبا عاما للوزارة ليبقى صامدا ورافضا التزحزح رغم الزلازل إلى حدود حكومة عزيز أخنوش.

عاصر عشرة وزراء ولما لا الحادي عشر؟

كانت أولى المطبّات التي تجاوزها بلقاسمي بنجاح، هي أزمة 2011 والربيع الديمقراطي والنفس الجديد الذي خلخل أركان الدولة وقتها، وزعزع مفاصل المنظومة خلف تجسيد دستور “جديد”، عمل على توزيع للسلطات غير مسبوق، ومن منظور إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية في اختيار من يدير أمور الحكم والشأن العام، فيما بقي بلقاسمي في مكانه.

بلقاسمي، الذي عاصر عشر وزراء عُيّنوا ثم رحلوا أو رُحّلوا، كان له يد طويلة أيضا في تنفيذ مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي، الذي فشل في إصلاح منظومة التربية، وانتهى إلى “فضيحة كبرى”، رصدها المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره المؤكد أن مليارات “المخطط الاستعجالي” صُرفت في غير محلها وجرى تبذيرها، ومع ذلك أفلت بلقاسمي مرة أخرى من الإعفاء بالرغم من كونه المشرف الرئيسي على جميع الصفقات لمشاريع البرنامج.

وبالرغم من كون القاعدة تقول “إن الذين كانوا سببا في المشكلة من الصعب أن يكونوا جزءا من الحل”، إلا أن الاستثناء يجوز أيضا، لكن فقط مع بلقاسمي، الذي عاد ليشرف في سنة 2015 على الإصلاح الجديد، والمتمثل في الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي أرسى أسسها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث والعلمي.

جميع الكتاب العامون معفيون.. إلا بلقاسمي

في 2017،  فجّر تقرير المجلس الأعلى للحسابات فضيحة “مدوية” تهم التحريات والتحقيقات التي قام بها وأثبتت وجود مجموعة من الاختلالات تم تسجيلها على مستوى عدة قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية لم تف بالتزاماتها في إنجاز مشاريع “الحسيمة منارة المتوسط”، أُسقط اسم يوسف بلقاسمي، الكاتب العام لوزارة التربية الوطنية، من لائحة المسؤولين الإداريين الـ14 الذين اتهموا بالتقصير في المشاريع المذكورة “استثناء”، لينجو بأعجوبة من زلزال الإعفاءات الذي طال الكتاب العامين جميعهم فضلا عن الوزراء من بينهم وزير التربية الوطنية السابق، رشيد بلمختار، الذي تقرر عدم تعيينه في أي منصب رسمي مستقبلا وعدد من المسؤولين.

وفي 2018، انتخب بلقاسمي رئيسا للجامعة الملكية المغربية للرياضة المدرسية، ونائبا لرئيس الفيدرالية الدولية للرياضة المدرسية، ما خول له العضوية باللجنة الدولية للرياضة المدرسية في نفس السنة أيضا، مع رئاسة الفيدرالية الإفريقية للرياضة المدرسية وهي جميعها مناصب يزاولها تزامنا مع الكتابة العامة لقطاع التربية الوطنية.

رجل المهمّات الصعبة

ولا يشكّك أحد من معاصري بلقاسمي بالوزارة في كفاءته، بل إن عددا ممّن تواصلت معهم “مدار21″، بهذا الخصوص قالوا إنه “رجل المهمّات الصعبة” و”مدبر أعسر الأزمات”.

ويُجمع الكثيرون على أن الكاتب العام لوزارة التعليم رجل إداري وتدبيري مهم في الدولة، يملك من الكفاءة التسييرية الشيء الكثير، “وهو ما دفع بعدد من الوزراء المتعاقبين على القطاع إلى مصاحبته واستشارته في كل صغيرة وكبيرة كونه ملما حتى أدق الأمور، ويملك قدرة خيالية على امتصاص الغضب والتعامل بروية مع أكبر المصاعب”.

عصي عن المحاسبة من يقف وراء بلقاسمي؟

من جهة أخرى، يعتبر آخرون ممن تواصلت معهم “مدار21″، أن الإبقاء على بلقاسمي ككاتب عام للوزارة هو “تهميش وتبخيس لعشرات من الكفاءات المتواجدة داخل دهاليز الوزارة نفسها والتي لا تقل عنه، خاصة وأنه كان موضوع مساءلة في عدة تقارير للمجلس الأعلى للحسابات.. فما الذي يجعله عصيا عن المحاسبة؟”، يتساءل أحد المستجوبين في حديثه للجريدة، قبل أن يشير إلى أن “القاعدة تقتضي أن تتم التعيينات لمدة 4 سنوات في المناصب العليا فيما هو بقي من المعمرين الخالدين في المنصب إلى أبد الآبدين منذ حكومة عباس الفاسي مرورا بحكومتي الإسلاميين ثم وصولا إلى حكومة أخنوش…”.

وبالعودة إلى تدخلات “البارشوك” التي قادها الكاتب العام لهذه الوزارة، نجد أنه في 13 أبريل 2019، كان بلقاسمي المفوض الرئيسي للدخول في حوار مع ممثلي الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد والنقابة، ما أسهم في الخروج برزنامة من المقترحات والحلول العملية، التي من شأنها الإسهام في حل أكبر مشكل عرفه قطاع التعليم بالمغرب، وأثر على السير العادي لعدد من المؤسسات التعليمية، بعد سلسلة إضرابات متتالية قادها المعنيون.

ونجح بلقاسمي، وقتها في إقناع الأساتذة المتعاقدين بالعودة إلى صفوف التدريس في وقت غاب عن هذا اللقاء المهم الوزير الوصي على القطاع وقتها، سعيد أمزازي، بدعوى تواجده في مهمة رسمية، كانت هي حضور مهرجان للتبوريدة، وهو ما قرأ كاستبعاد للوزير عن هذا الملف “المعقد”.

ماهي المهام المخولة لبلقاسمي في وزارة بنموسى؟

وحسب مرسوم 1993، المتعلق بوضعية الكتاب العامين للوزارات، فإن هذا الموظف السامي يتولى عدة مهام ومنها الإشراف والتنسيق ومراقبة عمل الأقسام والمصالح والمديريات، وهو ما يجعله الرجل الأكثر إثارة لـ”الخوف والكراهية” في الوزارة، خاصة وأن هذا المنصب يتطلب تناغما وتفاهما خالصا بين الوزير والكاتب العام، وهي المهمة التي لا يمكن حدوثها دائما، إذا ما استحضرنا واقع الحال وتوالي حكومات متعاقبة ومختلفة سياقا وإيديولوجية وفكرا وظروفا، وهو ما يستوجب طرح سؤال معقول حول كيف تمكن بلقاسمي من تحقيق هذا التناغم المطلوب مع العشر وزراء؟.

والبعض يعتقد أن الكتاب العامين للوزارات هم أصحاب السلطة والقرار الحقيقيون، فيما الوزراء أقل شأنا في اتخاد القرارات، حتى أن منهم من يتدرج ليصل إلى مرتبة وزير كما هو الحال بالنسبة، لناصر بوريطة.

ويتم اختيار الكاتب العام من الأطر التابعة للدولة ومؤسسات التعليم العمومي والخصوصي، الذين يتوفرون على مستوى عال من التعليم أو التجربة، من أجل مؤازرة الوزير في مباشرة التوجيه العام لسير الأعمال المتعلقة بالوزارة، كما يقوم بناء على تعليمات الوزير بجميع المهام المرتبطة بالدراسة والتخطيط.

وينوب الكاتب العام عن الوزير في العلاقات مع الإدارات العامة ومع المتعاملين مع الإدارة، ويمكن أن يمثل الوزير في جميع الاجتماعات المتعلقة بأعمال الوزارة ويساعده في ممارسة وصاية الوزارة على الهيئات المعهود إليها بالوصاية عليها، كما يقوم بتحضير ميزانية الوزارة وتنفيذ مشاريع النصوص بمجالات نشاط الوزارة، ويفوض له الوزير التوقيع أو التأشير نيابة عنه على جميع الوثائق التصرفات، ما عدا المراسيم والقرارات التنظيمية.

ويتقاضى الكتاب العامون للوزارات أجرة إجمالية شهرية مبلغها اثنان وعشرون ألف درهم، كما يتقاضون، زيادة على ذلك  في كل شهر، تعويضا عن التدرج الإداري مبلغه تسعة آلاف درهم وتعويضا عن التمثيل مبلغه تسعة آلاف درهم.

ويمنح الكتاب العامون للوزارات غير المستفيدين من سكن وظيفي تعويضا تمثيليا عن السكنى مبلغه الشهري عشرة آلاف درهم، ولا يمكن أن يتقاضوا مع الأجرة والتعويضات المشار إليها أي مرتب أو تعويض أو مكافأة أو منفعة أخرى مهما كان نوعها ما عدا التعويضات العائلية والتعويضات عن المصاريف.

ويستفيد الكتاب العامون للوزارات من تعويض جزافي إجمالي شهري مبلغه 5.350 درهما عن نفقات الماء والكهرباء والتدفئة ومن تعويض إجمالي شهري مبلغه 5.350 درهما عن واجبات الاشتراك والرسوم على المكالمات التليفونية، كما تتحمل الدولة مصاريف إقامة وتعهد جهاز تليفوني بمنازل المعنيين بالأمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *