رأي

مستقبل الاعلام المغربي بعد “كوفيد19”

ربما نكون قد لا حظنا الحقبة الجديدة للإعلام المغربي، بشكل واضح بعد الاحداث التي شهدها العالم جراء انتشار فيروس كوفيد19.

تزايدت أهمية المنصات الرقمية، وهي التي أصبحت من أكبر التغيرات التي طالت الروتين اليومي في العمل الإعلامي، خصوصا مع القرار الحكومي الذي أوقف إصدار الصحف الورقية، لاعتبارات عديدة أبرزها أن الورق أحد الأسطح المسهلة لانتقال عدوى الفيروس، ولئن كان فيروس كورونا، بما لا يدع الشك، محطةً عصيبةً للعاملين في قطاع الإعلام والاتصال، فإنه كان أيضًا باعثًا على بروز ممارسات مهنية مجددة تستحق الاهتمام لاستشراف مستقبل أحد أكثر القطاعات تأثرًا بالثورة الرقمية.

ذلك أن تأثير كورونا في الوضع العام والوضع الصحافي بشكل خاص الذي ما انفك يتقهقر ليس خافيًا، فكيف التصدي له والتخفيف من حدته؟ وما الفرص التي سنحت في خضم تجربة كورونا لبلورة خطة مستقبلية كفيلة بدعم قطاع الإعلام حتى يحول هذا التهديد الوجودي الناجم عن هذا الوباء؟ وما الأولويات المستقبلية للإعلام المغربي سواء الالكتروني أو الورقي؟

انطلاق من التساؤلات السابقة سنحاول تفكيك الموضوع وفق المنهجية التالية:

المحور الأول: الصحافة المغربية والتغيرات المجتمعية

 الفقرة الأولى: المنعطف الحرج للصحافة المغربية

شهدت الصحافة المغربية  في زمن “كورونا”، منعطفا حرجا، كانت تحاول استكشاف طريقها للتأقلم مع المستجدات واستيعابها، لتقوم بمهمّة نقل الخبر بكل تفاصيله وتطوراته والتي من أبرزها على المستوى الصحافي أنه ترك بصماته وتغييراته الجذرية على صناعة الصحافة والإعلام، المتأزمة أصلاً قبل الجائحة، لذلك فإن ضربات كورونا أربكت العاملين في الصحف الورقية،  فمبيعات هذه الأخيرة تراجعت، وعائداتها تتضاءل، فباتت أزماتها مضاعفة تحت وطأة “كوفيد- 19″، حيث انخفض توزيعها لأكثر من 70%، ثم تقرر وقف طباعتها بالتزامن مع الادعاء باحتمالية انتقال العدوى عبر أوراقها، والحال كذلك في دول عديدة، شهدت إغلاقاً لصحف، واتجاه أخرى للاستغناء عن صحفيين، لخفض النفقات خلال الأزمة.

وفي السياق ذاته كشفت الجائحة كذلك عن هشاشة المقاولات الصحافية، إذ مع وقف طبع وتوزيع الصحف الورقية، تراجعت المداخيل الاشهارية بسبب تضرر المقاولات الاقتصادية من جهة، وبسبب توجه مجموعة من العاملين في القطاع صوب شبكات التواصل الاجتماعي التي زاد الاقبال عليها خلال أيام الحجر الشامل، عمدت مجموعة من المقاولات إلى تسريح بعض المهنيين والتقليص من الاجور، بل إن بعضها قد أعلنت إغلاقها، ولولا تدخل السلطات العمومية بدعم استثنائي لآداء أجور العاملين في هذه المقاولات لكان الوضع الاجتماعي للصحافيين والمهنيين كارثيا.[1]

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالصحف الورقية وجدت نفسها وسط الجائحة ونزيف خسائرها، حيث أصبحت تنشر محتواها بصيغة رقمية في ملفات pdf، وتوزع بشكل مجاني.

لكن بالمقابل فإن هذه الجائحة قدمت دروسا للجسم الصحفي المهني، يمكن اختزالها في:

  • ضرورة تطوير آليات الفعل التضامني على المستوى الاجتماعي.
  • استعجالية تأهيل المقاولات الصحافية لمواكبة التطورات الرقمية.
  • الاشتغال داخل المقاولات الصحافية على إعداد صحافيين متخصصين.
  • التفكير في مستقبل الصحافة الورقية.
  • دور الصحافة في محاربة الاخبار الزائفة والاشاعات، ومحاصرة تداعيات

نظريات المؤامرة.[2]

 الفقرة الثانية: الازمة تعيد المواطن لوسائل الإعلام التقليدية

أظهرت نتائج تقرير معهد “رويترز” للأخبار الرقمية 2020 بالتعاون مع جامعة أكسفورد، الذي اعتمد على بحث ميداني عالمي شمل أكثر من 80 ألف شخص في 40 دولة، توجهات القراء اختلفت في زمن الحجر الصحي، كمّاً وكيفاً، صاحب تضاعفَ الزيارات تغيّرٌ في طريقة متابعتهم وولوجهم للمواقع الإخبارية المختلفة. تلقّي الاخبار أصبحت تراوحت بين الترقّب والأمل؛ فالمتابعة كثيفة للمواد المتعلقة بتطورات الوباء وعدّاد ضحاياه وطرق الوقاية منه، فيما تراجعت محتويات كانت تتصدر قائمة اهتمامات القراء لذلك بسبب توقف أنشطة مجموعة من المجالات. [3]

يؤكد التقرير أيضا أن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، هي الأخرى، حققت ارتفاعا في استخدامها كمرجع للأخبار؛ حيث ذكر التقرير، أن تطبيق المراسلات واتساب WhatsApp، حقق أكبر ارتفاع فيما يتعلق بالاعتماد عليه كمصدر للأخبار بعد جائحة كورونا، بنسبة 7 في المئة في الدول التي أجريت عليها الدراسة. واستخدمت 24 في المئة من العينة تطبيق واتساب لمعرفة الأخبار المتعلقة بفيروس كوفيد19 ونشرها والنقاش حولها.[4]

لقد صاحب تفشّي “كورونا” زيادة ملحوظة في استهلاك الأخبار والإقبال على التليفزيون والمصادر الرقمية، رغبة في الاطلاع على معلومات حول الوباء المستجدّ والتعرف على الوضع الصحي وكيفية التعامل مع الوباء في ظل حالة الخوف والقلق من الإصابة.

المحور الثاني: رؤية الاعلام المغربي لما بعد كوفيد 19

الفقرة الأولى: الأضرار المالية للقطاع الصحفي بالمغرب

مما لا شك فيه أن الصحافة المغربية خلال فترة الجائحة عرفت مجموعة من الخسائر المادية التي كان لها أثر سلبي على العاملين داخلها فالأزمة، ألقت بظلالها على العوائد الاقتصادية لصناعة الإعلام، مع هجرة المعلنين الذين توقفت شركاتهم وقطاعاتهم عن العمل، فتوقفت إعلاناتهم التي تعد مصدراً رئيساً لتمويل الصحف.

أما المواقع الإلكترونية والمؤسسات المستقلة، فهي الاخرى عرفت خسائر مهمة لأنها تعتمد بشكل أساسي على ايرادات الإعلانات الرقمية المباشرة، مما تسبب في إغلاق بعضها، والآخر ثم تقليل عدد العاملين بها.

لذلك فمسألة تنوع مصادر إعلاناتها له دور وهو ما يوفر لها استقلالية، وصناعة محتوى صحفي يستطيع أن ينافس في الفترة القادمة، في ظل التغيرات الجوهرية التي فرضتها كورونا، وجانب من الأمر يتعلق بالثقة التي تبنيها وسائل الإعلام مع القراء خلال فترة الجائحة.

ومنه فإن مصادر التمويل، كالاشتراكات تعتبر أحد نماذج الأعمال لإنقاذ مستقبل الصحافة، لكنها بالنسبة للصحف الورقية لن تغطي كافة تكاليف الإصدار ورواتب العاملين، وفي ظل الجائحة، ساهمت الحكومة المغربية في دعم للصحف في إنقاذها من شبح الإغلاق، “بعد إيقاف طباعة الصحف خلال الأزمة، لذلك فالصحافة المغربية تسعى أن يتم إعفائها من الضرائب وبعض الخدمات الأخرى، كحل يساهم في تقليل الخسائر.

الفقرة الثانية: رهانات مستقبل الاعلام المغربي بعد جائحة كورونا  

إن مستقبل الإعلام المغربي بعد “كوفيد- 19″، يعد فرصة متاحة بالاستناد إلى المعطيات التي شهدها العالم  في ظل الأزمة، ودراسة كيف تغيرت أنماط الاستهلاك خلال فترة الحجر الصحي عبر العمل على دراسة البنية الصحفية داخل المجتمع المغربي ، فالإعلام عرف تغيرات كما سبق والتطرق له، عبر الاتجاه للوسائل الأكثر استهلاك والهيمنة ، المتمثلة في البحث عن صيغة لجذب الجمهور مباشرة دون وسيط، لتحقيق أرباح، مع العلم أن هناك فرصة للنمو عبر الفيديوهات القصيرة التي تناسب المنصات المختلفة، إلى أنه من المتوقع استمرار انخفاض إيراد الإعلانات حتى آخر العام، وأن تتجه الإعلانات أكثر نحو المنصات الرقمية، وهو ما يمثل تحدياً للمؤسسات الإعلامية التقليدية.

بالإضافة يجب التركيز على مخاطبة اهتمامات الجمهور، والالتزام بالمهنية؛ فهي الصيغة الوحيدة للبقاء والتأثير، والبحث في إمكانية بدء تطبيق نماذج الاشتراكات بمقابل مادي، ولو جزئيًا، ويجب على الإعلام أن يستعد للتكيّف مع الأوضاع الجديدة التي فرضها كورونا، والتغيرات في الاقتصاد والسياسة والصناعة وشكل النظام الدولي، وتوقعات انكفاء الدول على نفسها مستقبلاً، وما يعنيه من الاهتمام والتركيز على الأخبار المحلية.

فجائحة كورونا حملت في طيّاتها فرصة للصحافة؛ فقد جعلت العالم يستشعر أهمية توافر المعلومة الصحيحة وانتشارها الحر، وبالتالي على المؤسسات أن تستغل ذلك، وتسعى لتأهيل كوادرها بما يواكب ذلك التغيير.

 

خاتمة

وعليه نستنتج أن مستقبل الاعلامي المغربي ما بعد كوفيد19، يرتبط بالدولة كطرف فاعل في مجال الاعلام، لترسيخ مبدأ التعددية، فدعم الصحافة خاصة المنطوية تحت لواء القطاع الخاص أصبح أمر ضروري للاستمرار في تقديم خدماتها.

لقد كان واضحا هشاشة القطاع، ليس فقط عند الخواص بل حتى الاعلام العمومي، ما ادى إلى تحويل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة إلى شركة قابضة ضمت إليها القناة الثانية بنسبة 100٪ ثم قناة ميدي1 تيڤي المتمركزة في طنجة بنسبة 30٪ وهو ما يفسر تداعيات ازمة كوفيد19 والتي ادت في الاخير الى هذا الدمج لإنقاذ المشهد السمعي البصري.

يمكن الخلاص أيضا إلى أن المستشهر بإعتباره المصدر الرئيسي لمداخيل المقاولات الإعلامية والصحفية، ان يعمد الى توزيع الاشهارات بطريقة يغلب عليها رؤية البعد الاقتصادي، وليس البعد السياسي او الخطوط التحريرية لهذه المؤسسات.

إضافة إلى كل هذا، وعلى مستوى قوننة المجال، لم يعد كافيا المحافظة على مدونة الصحافة والنشر بشكل يتيم، بل على المشرع أن يضمن إستمرارية المقاولة الصحفية ويشجع المستثمر في هذا المجال، والقطع مع توزيع إشهارات على مواقع بديلة ك”فايسبوك” و”أنستغرام” و”يوتيوب”، او على الاقل فرض ضرائب على هذه المنصات.

 

 

تقرير النقابة الوطنية للصحافة المغربية، واقع حرية الصحافة بالمغرب، مارس2019.مارس2021  ص16- [1]

[2] – نفس المرجع.

[3] – داميان رادكليف، أهم ما خلص إليه تقرير رويترز حول الأخبار على المنصات الرقمية لسنة 2020، https://www.noonpost.com/content/37385 تاريخ الزيارة 2021-06-01

[4] – محمد خمايسة، في زمن كورونا الصوت الأعلى للتلفزيون… قراءة في تقرير معهد رويترز، https://institute.aljazeera.net/ar/ajr/article/1114 تاريخ الزيارة 28-05-2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *