رأي

دور الإعلام في نصرة القضايا الوطنية

شهدت الساحة السياسية الإقليمية والوطنية في الآونة الأخيرة تغيرات عديدة على مستوى القضية الأولى للمغرب والمتمثلة في ملف الصحراء المغربية التي لطالما شكلت هاجسا للإعلام الوطني للدفاع عنها باعتباره سلطة تأثيره قوية على مستوى إرسال واستقبال وكذا إنتاج المعارف والمكتسبات للملف العالق منذ أكثر من خمسة وأربعين سنة، ففي فترة سابقة كانت الإعلام الوطني هو الذي يحمل مشعل الدفاع عن أطروحة القضية المغربية وذلك عبر الجرائد والمجلات الوطنية الأسبوعية منها والشهرية ونصف السنوية وكذا التلفاز والراديو الوطني ولا يتعدى ذلك إذاعة وطنية أو اثنتين إلى جنب مذياع وطني. ومع تطور التكنولوجيا أصبحت مظاهر الإعلام ووسائله تتطور وتعددت المنابر الإعلامية إلى أن أصبح كل من يملك هاتفا يمكن أن يذيع خبرا بقوة وتأثير لا توصف، فكيف يمكن للإعلام الوطني أن يدافع عن أطروحة المغرب في ملف قضيته الأولى؟ و إلى أي حد يمكن القول بأن تعدد وسائل الاتصال والإعلام اليوم يمكن أن تخدم ملف الصحراء المغربية؟

يتوزع المشهد الإعلامي المغربي إلى إعلام مرئي، مسموع، مكتوب، إلكتروني، و ورقي. و يتوفر المغرب في الوقت الحاضر على تسع قنوات تلفزية عمومية من حيث تمويلها أو من حيث إدارتها والإشراف عليها.  وتعتمد في بث برامجها خاصة على اللغتين العربية والفرنسية، قبل أن يصبح للغة الأمازيغية حضورا نوعيا في برامجها. إضافة إلى ذلك، تحضر الإسبانية، خاصة في القناة الأولى، من خلال بعض النشرات الإخبارية المخصصة لها.

تعتبر الخطب و الرسائل الملكية إعلاما رسميا، حيث إنها بوصلة موجهة لتحديد السياسات العامة الكبرى في بعدها الاستراتيجي وهي بمثابة رؤى تعمل الحكومة على ترجمتها إلى سياسات عمومية ترابية قابلة للتنزيل و الأجرأة على المستوى الترابي. وتعتبر مناسبة المسيرة الخضراء، وعيد الاستقلال وذكرى ثورة الملك والشعب أعيادا وطنية تغتنمها المؤسسة الملكية لتمرير رسائل للمنتدى الدولي والإقليمي على حد سواء والترويج لأطروحة الحكم الذاتي الذي تبناه المغرب سنة 2007، باعتباره أقصى ما يمكن تقديمه من أجل طي ملف الصحراء نهائيا.

إن الرسائل والخطب الملكية تعتبر أسمى وسائل التواصل الإعلامي الوطني، التي تمنح القضية المغربية الأولى تزكية وصمودا ديبلوماسيا  كبيرا. كما أنها ترسم خارطة طريق للحكومة والفاعلين كل من موقعه وصفته بالترافع من أجل مغربية الصحراء والترويج لها إقليميا ودوليا.

تعتبر الأنشطة الملكية والأنشطة الوزارية أحد ثاني أهم أوجه الإعلام الذي يدافع عن القضية الوطنية، حيث أنها تبعث برسائل صريحة و ضمنية وتعزز الديبلوماسية الخارجية من خلال الحفاظ على العلاقات الخارجية وتقوية اواصر التعاون والتآزر.

كما إن التغطية الإعلامية الموازية للأنشطة الملكية والوزارية التي سبق ذكرها تعمل على توزيع الخبر  وإبلاغه عبر الإذاعة الرسمية الوطنية (القناة الأولى أو الثانية أو القنوات الجهوية وكذا الإذاعة عبر المذياع الوطني).

وللإشارة فقد انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعة من الجرائد الإلكترونية وازدادت ارتفاعا مع الوضع الذي عرفه العالم من خلال جائحة كورونا-19 الذي أجبر العديد من الأنشطة على التوقف، وهو ما فتح المجال للجرائد الإلكترونية بأن ترتفع مقارنة بالسنوات الأخيرة. وفي عالم المعلوميات فإن التوجه الإلكتروني والتكنولوجيا الرقمية أصبحت ضرورة ملحة كحل بديل للترافع على القضايا الوطنية ( وذلك من منطلق أنه يغطي مجالا أكثر وينتشر بطريقة أسرع).

إن المواقع الاجتماعية باعتبارها إعلاما غير رسمي قد انتشرت في السنوات الأخيرة بشكل متزايد وتحولت من مواقع للتعارف إلى مواقع ناقلة للأخبار ومنصات وتكتلات اجتماعية افتراضية ضاغطة في نفس الوقت، وأصبح كل حامل لهاتف نقال هو حامل لصورة وخبر وبالتالي أصبح بإمكانه أن يحدث فارقا في الموازين وبأن يؤثر بطريقة أو بأخرى على المشهد السياسي.

ولعل هذا ما يصطلح عليه بصحافة المواطن، والتي يعيد الكثير من الباحثين بدايتها إلى اللحظة التي أمسك فيها الأمريكي أبراهام زابرودر عدسته لتصوير موكب الرئيس الأمريكي جون كينيدي في الثاني والعشرين من تشرين الثاني 1963، حيث التقط مجموعة من الصور أرخت حدث اغتيال الرئيس. في حين يرى اخرون أن صحافة المواطن بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة التحضير للانتخابات الرئاسية سنة 1988، حين فقدت مجموعة كبيرة من الناخبين الثقة بوسائل الإعلام التقليدية واعتكافها عن الانخراط في العمل السياسي والشأن العام فلجأ الصحافيون إلى مجموعة من المواطنين للوقوف على اراء الناخبين ومعرفة توجهاتهم، وهو ما سمي صحافة العموم (Public jounalisme).

إن النظر إلى الإعلام المغربي من منظور وظيفي، يسمح لنا بالقول إن وظائف الإعلام المغربي شهدت تحولات جوهرية وكانت حاسمة في بعض الأحيان، نستحضر مثالين في هذا الصدد:

أولا: امتصاص غضب الشارع في ما يسمى بالربيع العربي عن طريق تمرير رسائل من قبيل التريث والحكمة وعدم الانزلاق لما لا يحمد عقباه خاصة بعد الوضع المتردي الذي شهدته البلدان العربية والذي تأثر بإعلام الخارج أكثر من إعلام الداخل وكان للإعلام غير الرسمي (فيسبوك) دورا مفصليا في هذه العملية.

ثانيا: التغطية الإعلامية التي رافقت انتشار الجائحة وفترة الحجر الصحي، والذي لعب فيه الإعلام الوطني دورا مهما من خلال تغطية مستمرة وتواصل دائم أثر بشكل إيجابي على منحنى الإصابات بالوباء في مرحلة كانت الوباء في أوج انتشاره لدى دول الجوار (اسبانيا مثلا).

إن حدث المسيرة  الخضراء خلف ظهورا للعديد من الصحف والمجلات، والتي بفضلها حظي المغرب بدعم لا مثيل له من الداخل والخارج انطلاقا من الخطاب التاريخي الذي وجهه العاهل الراحل الحسن الثاني مفكر ومبدع الملحمة الخضراء وصولا إلى الشعراء والفنانين والأدباء كل من موقعه وزاويته، والذين حظوا بتتوبج ملكي (وسام المسيرة الخضراء) مع كل عبارات الرضى والعطف والتقدير.

يمكن أيضا للندوات الفكرية والعلمية الأكاديمية والموائد المستديرة ومختبرات الفكر أحد أهم مصادر الإعلام الناجع والفعال حيث تتم مناقشة أطروحة الصحراء من جوانب مختلفة ورؤى ومشارب متعددة منها ما هو مرتبط بالتاريخ السياسي وعلم الاجتماع السياسي، ومنها ما هو قانوني-اجتماعية وجانب اقتصادي وغيرها من المشارب العلمية التي تصدر على شكل مجلات  ومقالات علمية وكتب جماعية تحدث نوعا من القلق المعرفي وتجيب على إشكالات التنمية بالصحراء وتطرح توصيات ترفع للحكومة والبرلمان بغرفتيه.

وحتى لا ننسى المقابلات التي دأب الملك الراحل على تنظيميها في المغرب وخارجه في تحد واضح للصحافة العالمية وبلغات العالم حول أطروحة القضية الوطنية والتي لا زالت تذاع إلى يومنا هذا، والملاحظ أن الحنكة والتبصر في الرؤية والوضوح والثقة الثابتة التي كان يواجه بها الملك الراحل طيب الله تراه الصحفيين لا تزيد القضية إلا عزا ووضوحا وثباتا أكثر.

ومن جانب اخر فالإعلام الحزبي لعب أدوارا فعالة في قضية الصحراء خاصة الجرائد الوطنية التي كانت تصدر في الستينيات والسبعنيات من القرن الماضي إلى بداية الألفية الثانية والتي انتصرت في معظمها إلى المغرب العربي بعيدا كل البعد عن فكرة قيام أي كيان جديد مفتعل ولا حتى قبول قيام دولة. لكن الملاحظ هو غياب الإعلام الحزبي الوطني الذي يدافع بكل وطنية عن القضية الوطنية ولا حتى القيام بالأدوار التأطيرية المنوطة به.

ومن هذا المنطلق ، فالعمل الذي تقوم به المؤسسة الإعلامية المغربية إلى حد الان لابأس به، لكن يمكن أن يكون أكثر فعالية ونجاعة ويمكن أن يغذي روح المواطنة لدى العديد من طبقات المجتمع المغربي وأن يملأ الفراغ الذي شغلته تفاهات أثرت على جيل بكامله. ومن خلال ذلك فإننا نقترح في هذا الصدد:

  • تعزيز المنهاج العلمي التربوي بمعلومات ومعطيات تاريخية أكثر واقعية ومصداقية لقضية الصحراء المغربية،
  • تسليط الضوء أكثر على الإنجازات والإسهامات التنموية التي تشهدها منطقة الجنوب على مدى أشهر السنة وليس في أوقات معينة أو أعياد وطنية
  • التسويق الإعلامي للدور الريادي والقيادي للمغرب في الاتحاد المغاربي والافريقي في ظل الاستقرار السياسي الذي يسود ببلاده.
  • العمل على تنظيم مقابلات شفوية ومناظرات تأطيرية وتمهيدية في إطار الديبلوماسية الموازية والبرلمانية والعمل على مواجهة كل الأطروحات الزائفة المعادية للوحدة الترابية.
  • العودة إلى الفن البناء الذي يحمل رسائل هادفة، بصفته إعلاما توجيهيا تنويريا أكثر منه إخباري أو ناقل للمعلومات وصفي وسردي. إنما يجسد بكل حضور وقوة صمود ملف الصحراء المغربية.
  • ملئ الفراغ الإلكتروني خاصة في الإعلام الغير الرسمي والذي يعد أكثر انتشارا، وبالتالي ضرورة التأقلم مع هذه الظواهر الإعلامية الجديدة للترويج لقضية الصحراء المغربية.
  • ملئ الفراغ الإعلامي للأحزاب والقيام بدورها التأطيري والتوجيهي خاصة فيي شقه الإعلامي للدفاع عن قضية الصحراء والعمل على تبسيط المعارف والإدراك للمنخرطين داخل الحزب والشبيبة الحزبية خصوصا، وكل المواطنين عموما.

صحفية وباحثة بسلك الدكتوراه كلية الآداب ابن زهرأكادير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *