وجهة نظر

سلالة “دلتا”.. التكيف مع الوباء

في الأيام القليلة الماضية، خضعت مدينة سيدني لأمر إلزامي بالبقاء في المنزل لمدة أسبوعين كاستجابة على الخطورة التي تمثلها “سلالة دلتا” من “كوفيد-19”. وهذا جاء كمفاجأة لكثيرين ممن ينظرون، وهم مصيبون في ذلك، إلى أستراليا كأفضل الدول في إدارة أزمة كورونا في ظل الانخفاض الشديد في حالات الإصابة والاستقبال في المستشفيات وفي عدد الوفيات فيها.
أستراليا ليست المفاجأة الوحيدة في الآونة الأخيرة الخاصة بـ”كوفيد-19″، في الدول المتقدمة. فبسبب سلالة دلتا أيضا، أعادت إسرائيل، التي طالما اعتبرت رائدة في التصدي للفيروس، فَرض وضع الكمامات في الأماكن المغلقة خلال الأيام القليلة الماضية. والمملكة المتحدة- وليس الهند- أصبحت الدولة التي تكافح السلالة لأطول مدة. فقد ذكرت تقارير حكومية بريطانية أن أعداد الإصابة بسلالة دلتا ارتفعت 46 في المائة في أسبوع واحد فقط. والواقع أنه سواء اتخذنا هذه البيانات كأدلة أو اعتمدنا على ردود الفعل في أستراليا وإسرائيل، هناك بعض القضايا يجب أن تحتل مركز الصدارة لدى دول كثيرة، والولايات المتحدة من بينها. ويتعين على هذه الدول أن تدرك أن مخاطر “كوفيد-19” الجديدة لا تأبه بالحدود ولن تأبه بها على الأرجح.

وقدرة سلالة “دلتا” على الانتشار بسرعة وقوة أدهشت الجميع. إنها أكثر السلالات عدوى حتى الآن، خاصة وسط ممن لم يتلقوا اللقاح من السكان. لكنها تصيب أيضا متلقي اللقاحات حتى الذين حصلوا على الجرعتين المشكلين، وفقا للبيانات البريطانية، ما يصل إلى 20 في المائة من الذين أصيبوا بالسلالة. ولحسن الحظ، فالعواقب الصحية لسلالة “دلتا” في الدول المتقدمة أقل حدة فيما يبدو، حتى الآن. وهذا يرجع في جانب منه إلى الفهم الأفضل لـ”كوفيد-19″ بعد مرور نحو 18 شهرا على بداية الجائحة. لكن الأهم هو التحصين باللقاحات. صحيح أن اللقاحات ليست فاصلا بصفة عامة بين الإصابات في جانب والاستقبال في المستشفيات والوفيات في الجانب الآخر، لكن اللقاحات تحد كثيرا من هذه العواقب. لكن، حتى الآن، وبفضل تلقي اللقاحات، تقلصت أعداد المصابين بالفيروس الذين ينتهى بهم الحال إلى دخول المستشفيات أو الوفاة. لكن مازال هناك عدم يقين بشأن مخاطر التأثيرات “طويلة الأمد لكوفيد19”.

وتفاوتت سياسات الاستجابة الحكومية كثيرا. وهذا لا يتعلق باختلاف معدلات التحصين باللقاحات فحسب، بل إن المواقف السلوكية المهمة تلعب دورا إلى جانب قضايا تتعلق بقبول السياسة والفاعلية. فمدينة سيدني التي سجلت معدلا منخفضا نسبيا في تلقي اللقاحات اتبعت إجراءات قوية رغم العدد المنخفض للغاية من الإصابات. وإسرائيل والمملكة المتحدة لديهما معدلات مرتفعة في تلقي اللقاحات، لكنها اختلفت في ردود فعلها. فقد شددت إسرائيل القواعد الإرشادية، لكن بريطانيا تتمسك بتصورها عن إعادة فتح النشاط. والواقع أن إنجلترا أرجأت لمدة شهر المرحلة النهائية من خريطة طريق إعادة فتح النشاط مع إجراءات مشابهة من إيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز. وعززت بريطانيا أيضا جهود إعطاء اللقاحات النشطة بالفعل مع توفير مراكز على امتداد البلاد لتلقي اللقاحات دون حجز.

وفي الوقت الحالي، يعد التضرر الاقتصادي التدريجي المرتبط بسلالة “دلتا” في الدول المتقدمة محدودا، وخاصة عند مقارنته بالهند التي نشأت فيها السلالة وتسببت في مآس إنسانية واسعة النطاق هناك. وليس هناك الكثير مما يوحي بأن “دلتا” في حد ذاتها مدمرة بشكل خاص اقتصاديا وماليا للعالم المتقدم. ومن السابق لأوانه معرفة متى ستمثل انتشارا عالميا محتملا، لكنها ستنتشر لسوء الطالع، إلا أن دولا كثيرة أصبحت أفضل في التعامل مع هذه الموجات. ومهما يكن من أمر تطور هذه العوامل، فمن الصعب تجاهل استنتاجين عمومين لكن مهمين.

الأول، “دلتا” تذكرنا بأن جائحة “كوفيد” المروّعة لن تنتهي فجأة. وسيتعين على العالم الاستمرار في التكيّف مع واقع التعايش مع الوباء لفترة من الوقت. وهذا يعني أن الفيروس يثبت صعوبة التخلص التامة منه. ومع الممارسات الأفضل في الصحة العامة والخاصة واتباع التعليمات، قد يصبح التعايش في عصر الوباء أقل خطورة بكثير على الأرواح والأرزاق. ويتعين على الحكومات تعزيز جهودها لكسب كل هذه السباقات. والفوز بسباق أو اثنين ليس كافيا ببساطة. فالفوز مطلوب في تقليص الإصابات والحد من السلالات لأقصى درجة والإسراع بعملية التحصين الكاملة. وهذه ليست مسؤولية الحكومة منفردة رغم أهمية هذه المسؤولية. لكن هذا يلقي أيضا بمسؤولية كبيرة على الأفراد في التمسك باستمرار وبشكل كامل بما وصفته الحكومة البريطانية بالممارسات الصحية الخاصة بـ “اليد والوجه والمسافة”.

الثاني، لا توجد طريقة أكيدة يحمي بها بلد واحد نفسه من تهديدات كوفيد القادمة من الخارج. ولنأخذ مثال سيدني. لقد اتبعت أستراليا، ونيوزيلندا أيضا، أشد المناهج تقيّدا في عبور الحدود من بين الاقتصاديات المتقدمة وفرضت طائفة من الأمور غير المريحة على المواطنين. وطبقت قيودا صارمة على السفر الوافد والمغادر وفرضت أيضا قواعد وممارسات حجر صحي قاسية، ولديها سكان متفهمون وداعمون ومطيعون بشكل كبير. لكن سيدني، أُغلقت مرة أخرى ليس كفاصل قصير وسريع، بل لفترة أطول.
والطريقة الوحيدة لضمان السلامة هو العودة إلى الحكمة القديمة التي تقول “لا أحد في أمان حتى يصبح الجميع في أمان”. ويتعين على الدول المتقدمة، مع يقظتها الأكبر أمام سلالة “دلتا”، أن تقدم مساعدات أكبر للدول الأفقر والأقل تنظيما لتحسين الحماية القادرة على الصمود للجميع ضد الجائحة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *