حوارات

العلام: تقرير النموذج التنموي مليء بالتناقضات والمسكوت عنه (1/2)

العلام

أكد عبد الرحيم العلام أستاذ القانون الدستور وعلم السياسة بجامعة القاضي عياض بمراكش ورئيس مركز تكامل للدراسات والأبحاث، أن التقرير العام الذي أعدته اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التي يرأسها شكيب بنموسى، لم يأت بجديد، خاصة في موضوع الأعطاب الحقيقية للتنمية بالمغرب، حيث اختار التقرير بحسبه القفز على جوانب الظل التي تقف حجر عثرة أمام تحقيق التنمية المنشودة.

وقال العلام في حوار مطول أجراه معه موقع “مدار 21” إن هذا التقرير الذي قدمه بنموسى للملك محمد السادس أواخر شهر ماي الماضي، جاء مليئا بالتناقضات وبالمسكوت عنه، مسجلا في الجزء الأول من هذا الحوار، أن تقرير لجنة بنموسى، تضمّن “بياضات والتباسات”، فيما يتعلق بتحميل الفاعلين العمومين لمسؤولية فشل النموذج التنموي القديم، وتقديم أجوبة واضحة لتجاوز عوائق التنمية بالمملكة.

وفيما يلي الجزء الأول من الحوار

1-      تباينت مواقف وردود الفاعلين والمراقبين السياسيين والاقتصاديين بشأن تقرير النموذج التنموي الذي قدمه بنموسى للملك، كيف قرأت مضامين هذا التقرير وما هي في نظرك أبرز الملاحظات أو المؤاخذات التي يمكن تسجيلها بشأنه؟

قبل الإجابة عن سؤالك، دعني لو سمحت، أُذكّر بسياق مثل هذه التقارير التي تتم تحت إشراف ملكي، هذه التقارير من عادة النظام السياسي بالمغرب خاصة في ظل حكم الملك محمد السادس بحيث أنه كل 7 إلى 10 سنوات، لا بد أن يفتح نقاش سياسي حول قضية من القضايا، فعندما يخفت النقاش السياسي أو العرض السياسي أو يكون هناك انحباس اقتصادي أو اجتماعي تكون هناك مبادرة ملكية إما بتشكيل لجنة ملكية أو خطاب ملكي يوجه الفاعلين السياسيين أو الرأي العام للنقاش السياسي من قبيل تقرير الخمسينية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية هيئة الانصاف والمصالحة.

والغاية الأساسية من مثل هذه المبادرات، هي خلق نقاش سياسي حول قضايا اجتماعية أو اقتصادية وسياسية، وليس المهم الوصول لنتائج إجرائية معينة، وعما إذا كانت تلك التقارير ستؤتي أكلها وستلقى الطريقة المثلى لأجل تنزيلها، حيث يكون المهم هو الحالة السياسية التي تخلقها مثل هذه التقارير قبل وبعد نشرها.

وغالبا ما يتم تناسي مضامين هذه التقارير على شاكلة مع حصل مع تقرير الخمسينية ويمكن أن تصدر توصيات بشأنها على غرار توصيات الانصاف والمصالحة، ومنه أتوقع أنه سيأتي علينا زمن أخر تتم فيه الدعوة لمبادرة جديدة دون أن يكون هناك تقييم لتقرير النموذج التنموي، وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات بشأن أسباب فشل هذا البرنامج الملكي.

وجواباً على سؤالكم، بخصوص تقرير النموذج التنموي، غالبا ما نتجنب توظيف عبارة “تمخض الجبل فلود فأرا”، بحيث لم يكن متوقعا أن تأتي اللجنة الاستشارية التي عينها الملك، بأفكار ومشاريع إصلاحية خارج ما هو متعارف عليه في الممارسة المغربية، وفوق سقف خطاب 9 مارس 2011، لكن الذي حدث أن جزءا كبيرا من الأفكار الواردة في تقرير لجنة بنموسى، -بالنسبة لي كأستاذ جامعي باحث- توجد في الكتب الجامعية، وتوصيات الندوات واللقاءات التي تنعقد في ربوع المملكة، كما شكلت موضوعا لتقارير محلية ودولية.

بالنسبة لي، لا جديد يذكر في تقرير النموذج التنموي، الذي قدمه شكيب بنموسى للملك، ما عدا أننا بصدد تقرير تضمن أفكارا موجهة لمؤسسات الدولة، وهو ما يُوحي أن هناك إرادة من طرف أعلى سلطة في البلاد، من أجل الالتزام بتنفيذ هذه التوصيات، -التي يمكن أن ترد في بعض التقارير الدولية والمنظمات الحقوقية على شكل مقترحات أفكار غير ذات أثر-، لكن اليوم ستصبح هذه الأفكار ذات قيمة ويتم إسباغها بطابع تنفيذي وبشكل رسمي

التقرير تحدث عن محاربة اقتصاد الريع وعن تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث شدد على ضرورة وضع الرقابة على مختلف المدبرين العمومين، وهي أفكار إلى جانب أخرى حملها التقرير مهمة ومحمودة ويمكن التصفيق لها حتى، لكن ما يُعاب على التقرير أنه لم يأتي بإجراءات واضحة ومقترحات عملية لتجاوز الأعطاب الحقيقية للتنمية بالمغرب.

( مقاطعا) مثل ماذا؟ ما هي الجوانب التي أغفلها برأيك التقرير؟

الأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها أن تقرير لجنة بنموسى، لم يأت على ذكر المؤسسة الأمنية وبعض جوانب النقص والاختلال التي يمكن أن تعتريها، ولم يتم التطرق كليا لموضوع تأهيل السجناء والحد من الاكتظاظ، ومراقبة إجراء العفو، والاعتناء بأبناء السجناء، والتقليل من السجن الاحتياطي، وكأن التقرير غير مهتم بأوضاع أكثر من 100 ألف سجين، نصفهم في الاعتقال الاحتياطي.

بالإضافة إلى ذلك، لم يشر التقرير إلى ضرورة الاهتمام بوضعية السجناء حتى يتحول السجن والإصلاحيات إلى مؤسسات لتأهيل المحبوسين وليس لتخريج المجرمين، وقد جاء في تقرير فرعي أن اللجنة تسلمت مقترحات المساجين، لكن المستغرب له هو أنها لم تهتم بأوضاعهم في تقريرها، رغم أهمية المؤسسة العقابية، وتأثير السجن على حياة المسجونين وأهاليهم، علما أن دعوات كثيرة ترفع في المغرب من أجل إصلاح السجون والاهتمام بموظفيها وزيادة عددهم.

ومن الملاحظات المسجلة بشأن تقرير النموذج التنموي، أنه مثلا يؤكد ضرورة التوقف عن تشجيع اقتصاد الريع، لكن لم يخبرنا كيف ستحقق الدولة هذا المطلب، وكيف تتوقف عن منح الرخص الريعية للصيد في أعالي البحار واستغلال مقالع الرمال ورخص النقل، والفصل بين الثروة والسلطة؟

ومن الملاحظات الرئيسية حول مضمون التقرير، أنه يعيد نفس المطالب التي ينادي به المجتمع وقواه الحية منذ عقود، دون أن يفصّل في سبل الوصول إلى هذا المبتغى، والحال أن التقرير ينبغي أن يقترح إجراءات تنفيذية، فهو مثلا عندما يقر بأنه من دون “إعلام مستقل” لا يمكن للبلد أن يتطور، فإنه لا يخبرنا كيف نجعل هذا الإعلام مستقلا، ولا يفصّل في المعيقات التي تجعل الإعلام غير مستقل، ولم يقدم أي توصيات لصانعي القرار من أجل حماية الصحفيين، وعدم تعريضهم لصنوف العقاب والتضييق. وفي غياب هذه الإجراءات، التي كنا نتوقع أن يزخر بها التقرير، فإنه يبقى عبارة عن رأي صدر عن لجنة استمرت في أشغالها حوالي السنتين.

  • تقرير لجنة بنموسى حمل كثيرا من العناوين التي تؤكد عم الرضا والثقة في أداء المؤسسات الوطنية، هل بالفعل هذه هي المشاكل الحقيقية أم هناك أسباب أخرى تجاهلها التقرير؟

كما أشارت إلى ذلك سلفا، أنا أرى بأن تقرير لجنة بنموسى، تجاهل الحديث عن الكثير من جوانب الظل، وأنه جاء مليئا بالمسكوت عنه، وربما تعمد القفز على الأعطاب الحقيقية التي تعيق التنمية بالمغرب، أشير مثلا في هذا السياق، إلى تعويم اللجنة لمسألة المشاركة السياسية ضمن العائق الرابع والأخير، واختصرته في النصح بإعادة الحيوية للمنظمات الوسيطة لا سيما الأحزاب السياسية، من خلال دعوة هذه الأخيرة إلى الانفتاح على ما أسمته القوى الحية وغيرها من الإجراءات التي يمكن أن ينص عليها بحث السنة الأولى في علم السياسة.

والحال، أن عمق الأزمة السياسية يتجلى أساسا في تاريخ طويل من إضعاف العمل الحزبي، عبر تشجيع السلطة للانشقاقات، وتشكيل أحزاب إدارية مهمتها الأساسية هي تأثيث المشهد السياسي، والتشويش على الأحزاب التي تحمل أفكارا اعتراضية على سياسات النظام السياسي، فضلا عن تأزيم الأحزاب السياسية من خلال جعلها غير قادرة على تنزيل برامجها السياسية، وبلقنة المشهد السياسي من خلال قوانين وتقطيعات انتخابية

  • هل ترى بأن التقرير تضمن بياضات والتباسات فيما يتعلق بتحميل الفاعلين العمومين لمسؤولية فشل النموذج التنموي القديم؟

في تقديري، من ضمن الالتباسات، التي وقعها فيها تقرير لجنة النموذج التنموي، أنه أوصى بأن يصبح هذا التقرير نفسه، ملزما معنويا من خلال ما أسمته “ميثاقا وطنيا للتنمية”، وقد تناست اللجنة أنها دعت في تقريرها أكثر من مرة إلى ضرورة تحقيق الانسجام الحكومي، وإعادة الثقة إلى برامج الأحزاب السياسية.

وإلا كيف يمكن لحكومة تشتغل بميثاق للتنمية صاغته لجنة مكونة من أشخاص لديهم ميولات فكرية، وتوجهات في السياسية والاقتصاد؟ لماذا تريد اللجنة على سبيل المثال لا الحصر، أن تفرض أفكارها بخصوص الاتجاه إلى المزيد من الديون، والاعتماد على التدبير المفوض في قطاعات التعليم والصحة والطفولة والثقافة، وتخفيض الضرائب على نوع من الشركات ؟

ومن أجل تجاوز بطء التشريع وضعف كفاءته، وفي سبيل قيام البرلمان بدوره في التقييم والرقابة، تفتقت عبقرية معدّي التقرير وأنتجت توصية تتضمن الدعوة إلى ضرورة تمكنيه من الموارد المادية والتقنية بمعنى أن البرلمان لا ينقصه إلا المال والتقنية، بينما له من الصلاحيات الواسعة التي تمكنه من أداء الأدوار التي تقوم بها البرلمانات في العالم.

وكأن البرلمان المغربي، لا تنقصه الصلاحيات الدستورية، ولا الإرادة السياسية، ولا عدم قدرته على استجواب الوزارات والعديد من مسؤولي المؤسسات العمومية، ولا يعاني من الازدواجية المجلسية غير المبررة، ولا تنقصه كفاءة قاطنيه وتضخّم عددهم، وليس في حاجة إلى تعديل القوانين الانتخابية من أجل ضمان الأغلبية المنسجمة والمعارض القوية، بل كل ما ينقص البرلمان هو المال والتقنية.

أكثر من ذلك، نجد مثلا التقرير يوصي بضرورة خفض الضرائب على الشركات التي لديها أنشطة مفتوحة على الخارج، من أجل تقوية تنافسيتها. لكن بعد هذه التوصية مباشرة، يرى التقرير أن تمويل النموذج التنموي الموعود سيكون من خلال الدين الخارجي ـ الذي لا مفر منه حسب اللجنة – والضرائب، وتحفيزات الاستثمار. وإذا علمنا أن النسبة العظمى من ميزانية الدولة، تتشكل من الضرائب، فإن السؤال المطروح على اللجنة هو: من أين سيمول النموذج التنموي إذا تم خفض الضرائب على هذه الشركات؟ أم أن خفض هذه الضرائب ستصاحبه زيادة الأعباء الضريبة على الأجراء والموظفين والاقتصاد غير المهيكل؟

  • هل تتفق مع من يرى بأنه وقع في تناقضات كثيرة حينما سعى للمزاوجة بين انتقاد السياسات العمومية الحالية، ومحاولة تلميع أداء بعض المؤسسات الوطنية؟

أعتقد أن مزاوجة التقرير بين انتقاد الأوضاع في أكثر من موضع، وبين الانخراط في الإشادة والمدح، جعلته يقع في تناقضات كثيرة، فمثلا يورد أن المغرب يمتلك القدرة على تحويل مزايا ثقافته السياسية الفريدة إلى رافعات قوة”، ثم يعود إلى التأكيد على ضرورة تغيير الثقافة السياسية السائدة، وهو ما يجعلنا نتساءل كيف تتحول الثقافة السياسية الفريدة إلى عائق نحو التطور؟ فإما أن ثقافتنا السياسية جيدة ومن شأنها تطوير اقتصادنا وإما أنها العائق الأكبر.

لكن تقرير اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد النموذج التنموي، لم يحسم هذا الأمر، ربما بسبب طريقة الاشتغال، حيث يتم تكليف كل فريق بإعداد الفقرة أو المحور الخاص به، وهذا بدا جليا في التكرار، الحرفي أحيانا، الوارد في بعض فقرات ومحاور التقرير. وعلى صعيد آخر، يمكن الإشارة إلى أن التقرير اكتفى بإشارات عامة لدمقرطة الحياة الاقتصادية، فرغم إشارته إلى ضرورة تعديل القانون الجنائي، إلا أنه لم يوص بضرورة إخراج التشريع الذي يجرّم الإثراء من دون سبب.

أما المثال الآخر على تناقضات تقرير لجنة النموذج التنموي، فهو مسألة السلطة التقديرية، فهو حينما يرصد مطالب المواطنين بخصوص القضاء، فإنه يخلص إلى أن المواطنين لا يثقون في القضاء، لكنه يوصي بأن يجعل التعصيب في الإرث ضمن مجال تقدير القضاء. علما أنه في إحدى الفقرات يدعو إلى تقليص السلطة التقديرية التي تتيح المجال للتعسف، فكيف يمكن المزاوجة بين تقليص السلطة التقديرية، وفي المقابل إضافة مجال آخر للتقدير بالنسبة للقضاء؟

ولكي لا تغفل اللجنة وضعية مغاربة العالم، فإنها أشارت إلى ضرورة الاهتمام بهم ثقافيا، ومساندتهم بخصوص اللغة والهوية، وتوفير منصات رقمية لتعليمهم الثقافة المغربية، لكن التقرير لم يتضمن مطالب أخرى لهؤلاء وأهمها ضرورة إشراكهم في الحياة السياسية من خلال السماح لهم بالتصويت في بلدان الإقامة.

  • هل تعتقد أن الحكومة المقبلة وفي ظل البنية السياسية المغربية الحالية قادرة على تنزيل هذا النموذج وفق طموحات وانتظارت المواطن المغربي؟

السؤال المطروح، هو ما الذي ستعمل الحكومة المقبلة على تنزيله ضمن ما جاء في التقرير، وما هي الإجراءات التي جاء بها التقرير وينبغي على الجهاز التنفيذي تفعليه؟ مثلا يقول التقرير ينبغي الاستمرار في النقاش حول القضايا المجتمعية الملحة، من قبيل الإجهاض والإرث ويتحدث عن ضرورة تخليق الأحزاب السياسية والانفتاح على الطاقات الحية وضمان التعددية، لكن دون أن يربط تحقيق ذلك بإجراءات ومؤشرات واضحة وملموسة.

هل الحكومة هي من ستقنع القوى الحية بالانخراط في الحياة السياسية؟ علما أن هذه القوى وضعت مسافة كبيرة مع الحقل الحزبي والسياسي، بسبب انعدام الثقة في السياسيين، وهي اليوم تطالب بالابتعاد عن عقلية الضبط الحزبي والتحكم في الخرائط الانتخابية وتطالب بأن تكون الحكومة سيدة نفسها وأن يمتلك البرلمان من الصلاحيات ما يستطيع به أن يسائل كافة المدبرين العموميين دون قيد أو شرط

(مقاطعا) لكن التقرير تحدث تحت عنوان كبير ” أصبح الوقت ضدنا” عن المشاكل والانتظارات التي يمكن للحكومة المقبلة أخذها بعين الاعتبار.

ما ورد في التقرير بهذا الخصوص من مضامين ليست من بنات أفكاره، بل اكتفى في هذا الصدد الحديث بلسان المواطنين والاعتماد على بعد تشخيصي للمشاكل العمومية، لكن ما كنا نصبو إليه هو أن يتطرق التقرير إلى إثقال الحكومة بالتقنوقراط، وسلك الحياد السلبي لوزارة الداخلية خلال العملية الانتخابية، وغياب هيئة يثق فيها الجميع للإشراف على الانتخابات، وعدم توفر الإرادة من أجل ترسيخ الإعلام الحر والمستقل، وإشاعة أجواء الحريات، وتحرير الفضاء العمومي من المنع والرفض والقمع، وغيرها من الإجراء التي تدعم المشاركة السياسية وتقلل من حجم اللامبالاة.

مع ذلك، وبالرغم مما سلف ذكره، أعتقد أن المشكلة بالنسبة إلينا في المغرب، لا تكمن في التقارير ولا في مضامينها، بقدر ما تكمن المشكلة الحقيقة في مدى وجود إرادة سياسية، من شأنها تطبيق الأفكار الواردة في التقارير ولو من منظور الإصلاح من الداخل أو التغيير في ظل الاستمرارية، مع الإشارة إلى ضرورة التسليم في ظل الممارسة القائمة، بأنه لم يكن في مقدور اللجنة الإتيان بتقرير قوي يتجاوز الأفكار الإصلاحية المعتادة في اللجان ذات الطبيعة الرسمية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *